محاولات لبناء مفهوم علمي للعنف

.

المقاله تحت باب  في السياسة
في 
28/07/2007 06:00 AM
GMT



العنف هو فشل النمو النفسي الطبيعي للانسان فان الارتباطات العائلية (وجود شخص بالامكان التحدث اليه عند الغضب او الاضطراب ووجود شخص بالامكان الثقة به للتحدث عن المشاعر الخاصة) تُهذب دوما الطبيعة الاعتدائية للفرد وتعزز السيطرة على النفس من خلال التعلم والتدريب على اليات الانتباه للتصرفات المقبولة في المجتمع ( يتم ذكرها بالمديح) وتكوين الرمز (محاكاة وتقليد الاشخاص الناجحين من العائلة والعشيرة والمحلة).

لدى الطفل قابليات للسيطرة على الغضب عند الاحباط وتعززها سيطرة الام بدون القوة من خلال تحويل الانتباه الى الجوانب الاقل احباطا في الحياة (مثل لعبة بديلة عن اخرى يصعب الحصول عليها او تقريبه الى طفل اخر صديقا او تجاوز اشكالية في المدرسة وغيرها). وغياب دور الام يسبب الفشل في تقليل الاحباط وبالتالي يبرز الغضب كأستجابة اولية لاوضاع التحدي ووسيلة للتاثير على الاخرين مثل مماراسات العنف بين الطلبة في المدرسة او بين الاصدقاء في المحلة (غاب دور الام في حياة العوائل العراقية ومارست دور الاب ابان حروب صدام لغياب الاب المستمر وفترة الحصار وان كانت هذه الظاهرة عامة للمجتمع العراقي الا انه تركزت في مناطق محددة معروفة).

تفهم تجربة الاخرين ميزة للانسان (العقل) فان توفرت للاخرين قابليات تجعلنا نعمل مع بعض فهناك ثمن يجب ان ندفعه ليزداد الانسجام بين المجموعة. والتهديد باستخدام العنف الجسدي (الجلد والرجم والفلقة والوشم وقطع الاعضاء) مباشرة يتداخل مع وظيفة ومفهوم العقل. وبقى التهديد باستخدام القوة او استخدامها ساريا في المجتمعات القاسية وورد التاريخ العربي تأديب لقادة المجتمع ذوي المكانة الرفيعة من قبل القائد او السلطان ويدرسها الطلبة في كتبهم المدرسية.

يتعلم الطفل في العائلة ومن خلال تجارب الاخرين (العلاقات مع الغير) وتفهمهم لعقول الناس فيختفي الاعتداء تدريجيا من تصرفات الطفل (الاعتداء بتحطيم لعبة او على الاخ او الصديق وغيرها) والتي تظهر في تصرفاته في السنوات الاولى من الحياة. ويتعلم ان الاعتداء هو رغبة في السيطرة على الاخرين بتحطيمهم او اعاقة قدراتهم فيكون الاعتداء من الممنوعات بل المحرمات اجتماعيا. ولم توفر حروب صدام فرصة لنمو مثل هذا المفهوم (تحريم الاعتداء) يضاف الى استخدام التاريخ في سرد امثلة ومبررات وحشر الدين والكتاب السماوي في هذا الامر يضاف الى ذلك تصرفات العسكر في الشارع وانحسار دور المدرسة والجامعة والمثقف، وعمل لتكريس هذه المظاهر جيش من الاساتذة! ورواد الاعلام وقادة الانتصارات الوهمية والمربين! وكرست العديد من اطاريح الدراسات العليا (علم النفس والاجتماع والاداب والتاريخ والعلوم السياسية والطب وغيرها) لاطراء هذا النهج. وكان موقف العراق الوحيد مقابل موقف لكل بلدان العالم عزز مفهوم الاعتداء (ولي مع هذا وقفة مستقبلا).

لم تتوفر الفرصة لغالبية اطفال العراق للتعرف بشكل افضل للحالة العقلية للغير حيث مربيهم (الاب والام والمدرس) اظهروا قلقا او اضطرابا كبيرا حول تجارب الاخرين الشخصية (انتقاد شديد للتصرفات والعلاقات والملابس وغيرها) ويتعود الطفل على قسوة ترتبط مع القلق (تربية خاطئة). وقد ساهم البعث خلال حكمه في تعزيز هذه الظاهرة كثيرا من خلال حملاته على مظاهر الزينة للفتيات او الملابس لكلا الجنسين (وقد ارخ بعض هذه الاجراءات الشعر العربي) واخرها الحملة الايمانية حيث تحولت الى دعوة للسلف الصالح بانتقاد كل المظاهر الحضارية (الملابس والكتب والمجلات والازياء ووسائل الاتصال مثل الانترنيت والهاتف والساتلايت) فتعززت التربية الخاطئة وتكرس العنف.

الاشخاص الذين تميزوا بالاعتداء في بداية الطفولة وعبر المراهقة، كانت لديهم ارتباطات عائلية ضعيفة فلم يتكون لديهم الشعور بان للغير شخصيات اخرى. واشارت الدراسات الى امكانية تكوين ارتباطات عائلية للاطفال ذوي الميول الاعتدائية العالية والسلوك المضطرب مع اشخاص اصحاء نسبيا (امكانية التهذيب واردة). ومن الممكن ان يتعلم المراهق ذا الميول الاعتدائية وحتى المنحرفين التجارب العقلية للغير (تفهم تجربة الغير في الحياة) (امكانية الاصلاح).

ومن اجل تقليل خطر العنف يحتاج المجتمع الى مؤسسات اجتماعية تسند النمو النفسي مثل العائلة والحضانة والروضة والمدرسة وتصمم لكي تعزز الحالات الايجابية وعلى سبيل المثال فان المعلم يجب ان يساعد الطلبة على نقد ظاهرة التنمر في المدرسة بدل استخدام القوة للسيطرة عليها. وتحطمت هذه المؤسسات في زمن حكم البعث حيث الحروب وقتلى الاعدامات والانتفاضة والحصار فتراجع الاداء التربوي وتاثرت العائلة (الطلاق وغياب الاب او موته) وتقلصت اعداد الحضانات ورياض الاطفال.

يصعب على البعض التعرف على الحالة العقلية للغير من خلال تعبيرات الوجه ونبرة الصوت وبذلك يضطرب لديهم النمو النفسي ويصعب تثبيط العنف لديهم بعد ذلك ، وهم اصحاب الشخصية الاعتدائية (السيكوباث) فتكثر لديهم المشاكل ومراجعتهم للشرطة والمحاكم. ويلازمهم العنف طيلة فترة حياتهم.

ضمان النمو النفسي لكل الاطفال هو مفتاح الوقاية من العنف والسيطرة عليه عبر مراقبة النمو النفسي في كل المراحل واعداد المؤسسات المشار اليها (العائلة والحضانة والروضة والمدرسة) للمشاركة في ضمان النمو النفسي الطبيعي. وان ما يواجه العراق اليوم هو انتشار للعنف والذي يشكل ارهاب.